فخر الدين الرازي

229

تفسير الرازي

لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية ، وقد لا يكون كذلك ، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوهاً أحدها : لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة ، فحثوا عليه بهذه الآية وثانيها : لعل قوماً كان فيهم خشوع كثير ، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها ، عن الأعمش قال : إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية ، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر : أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً ، فنظر إليهم فقال : هكذا كنا حتى قست القلوب ، وأما قوله : * ( لذكر الله ) * ففيه قولان : الأول : أن تقدير الآية ، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله ، أي مواعظ الله التي ذكرها في القرآن ، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل والقول الثاني : أن الذكر مضاف إلى المفعول ، والمعنى لذكرهم الله ، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر ، وقوله تعالى : * ( وما نزل من الحق ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : ( ما ) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول ، والعائد إليه محذوف على تقدير * ( وما نزل من الحق ) * ، ثم قال ابن عباس في قوله : * ( وما نزل من الحق ) * يعني القرآن . المسألة الثانية : قال أبو علي : قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم ، * ( وما نزل من الحق ) * خفيفة ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ، * ( وما نزل ) * ، مشددة ، وعن أبي عمرو * ( وما نزل من الحق ) * مرتفعة النون مكسورة الزاي ، والتقدير في القراءة الأولى : أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق ، وفي القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق ، وفي القراءة الثالثة ولما نزل من الحق . المسألة الثالثة : يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء ، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر الله مطلقاً ، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن ، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن ، لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله ، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله ، ثم قال تعالى : * ( ولا يكونوا ) * قال الفراء : هو في موضع نصب معناه : ألم يأن أن تخشع قلوبهم ، وأن لا يكونوا ، قال : ولو كان جزماً على النهي كان صواباً ، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات ، ثم قال : * ( كالذين أوتوا الكتاب من قبل ) * يريد اليهود والنصارى : * ( فطال عليهم الأمد ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ذكروا في تفسير طول الأمد وجوهاً أحدها : طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم وثانيها : قال ابن عباس : مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله وثالثها : طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب ورابعها : قال :